24/6/2014
أولا:جذور الأزمة:
يزداد الوضع في العراق تأزما وعنفا يوما بعد يوم. فقد انتقل من مشهد سياسي متشنج إلى حرب طائفية بين الشيعة والسنة، تحصد عشرات القتلى في اليوم ومزيدا من الدمار للبلاد.
أجريت الانتخابات التشريعية العراقية بتاريخ 30 أبريل 2014، وهي الثالثة في البلاد منذ 2003، والأولى بعد انسحاب الجيش الأميركي من العراق نهاية العام 2011. فأفرزت فوز « ائتلاف دولة القانون« ، بزعامة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، دون حصوله على الأغلبية التي تتيح له تشكيل الحكومة بمفرده ووسط تشكيك واتهامات بالتزوير في النتائج، يليه « ائتلاف الأحرار » المنبثق عن تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، ثم جاء « ائتلاف المواطن » بزعامة رئيس المجلس عمار الحكيم في المرتبة الثالثة.
وتتجلى قبضة نوري المالكي، الذي يعد من بين أكبر الموالين لإيران، على مختلف مناحي الحياة في تركيز جميع آليات السلطة بيده: فهو القائد العام للقوات المسلحة ووزير الداخلية والدفاع والأمن الوطني والاستخبارات، علاوة على رئاسته مجلس الوزراء والذي يمارس سلطاته من خلال أوامر ديوانية دون اطلاع المجلس على مضامينها.
كما أنه أقصى السنة من الحكومة العراقية الحالية وفرض إجراءات متشددة ضد الاحتجاجات السلمية التي اندلعت في الرمادي والفلوجة طوال 2013، وقبل ذلك أرغم طارق الهاشمي، نائب الرئيس العراقي، الذي كان رأس السُنة في العراق، على مغادرة البلاد وحُكم عليه بالإعدام غيابيًا.
لم يعـُـد سنة العراق يطيقون سياسة الإقصاء التي تمارس ضدهم، فلجأوا إلى عمليات عنف تستهدف شخصيات ومقدسات شيعية.
استطاعت الجماعات المتطرفة، وأغلبيتها من السنة الغلاة، التغلغل في الأوساط السنية وبدأت في فرض منهاجها المتشدد المعتمد على مبدأ الجهاد ضد الشيعة، وهو ما يفسر الحرب التي تديرها الآن قوات « الدولة الإسلامية في العراق والشام » (داعش) ضد الجيش النظامي للحكومة العراقية في أجزاء من شمال غرب العراق، خاصة الموصل.
ثانيا:آخر التطورات:
بعد اجتياحهم الرمادي والفلوجة وفرار الجيش العراقي، سيطر مسلحو داعش على مدينة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، بتاريخ 11/6/2014، قبل أن يجتاحوا مدينة تكريت ويطبقوا على أكبر مصفاة نفطية في البلاد، إضافة إلى محافظتي التأميم (كركوك) وديالى، محققين المزيد من المكاسب في تقدمهم العسكري السريع نحو العاصمة بغداد.
فتحت الحكومة مراكز للتطوع للمشاركة في حماية باقي مناطق العراق، فشهدت تدفق المتطوعين من الشيعة بعد أن دعا متحدث باسم المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني العراقيين إلى « الجهاد الكفائي » لمحاربة تنظيم داعش . كما استعانت الحكومة العراقية بأفراد مليشيا عصائب أهل الحق ومليشيا حزب الله المدربين في إيران، حيث ظل نشاطهم سريا في مواجهة تقدم المسلحين إلى أن سقطت مدينة الموصل.
طلب رسميا نوري المالكي من الإدارة الأميركية التدخل لمساعدته على مواجهة العمليات التي تقوم بها الجماعات المسلحة، خاصة قوات داعش، في شمال العراق حيث سيطرت على مدن مهمة ومعابر حدودية مع سوريا. كما طالب المالكي البرلمان العراقي بإقرار حالة الطوارئ، غير أن هذا الأخير فشل في ذلك بتاريخ 12/6/2014لعدم اكتمال النصاب، بعد أن قاطع الجلسة نواب سنة وأكراد معارضون لمنح سلطات استثنائية للمالكي.
ثالثا:مواقف بعض الدول والجهات من هذه التطورات:
الولايات المتحدة الأمريكية: بعد تصريحه بتاريخ 12/5/2014 بأن إدارته تدرس جميع الخيارات للتعامل مع الوضع بالعراق وأن بلاده مستعدة للقيام بعمل عسكري في مواجهة أي تهديد لأمنها القومي، عاد الرئيس الأميركي باراك أوباما في اليوم الموالي ليؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية لن ترسل قوات لتقاتل في العراق، داعيا السياسيين العراقيين إلى أن يتحملوا مسؤولياتهم في حل مشكلة بلادهم ويتخذوا القرارات الصعبة لتوحيد شعبهم ووطنهم. وهو ما أكده في كلمته أمام الصحفيين بالبيت الأبيض بتاريخ 14/6/2014، حيث اعتبر أنه لا فائدة من أي عمل عسكري إذا لم يتجاوز الخلافات الطائفية هناك.
كما أمر وزير الدفاع الأميركي، تشاك هيغل، بتحرك حاملة طائرات أميركية لدخول الخليج، واتخاذها الاستعدادات اللازمة للتدخل إذا قررت واشنطن اللجوء للخيار العسكري.
روسيا : حذر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، من أن تقدم المسلحين في العراق يهدد وحدة وسلامة أراضيه، ويشكل فشلا تاما للتدخل الأميركي والبريطاني هناك. وأضاف أنه « قبل 11 سنة أعلن الرئيس الأميركي انتصار الديمقراطية في العراق، ومنذ ذلك الحين تدهور الوضع بشكل كبير »، مشيرا إلى أن بلاده سبق أن حذرت من أن المغامرة التي قامت بها أميركا وبريطانيا ستنتهي إلى الفشل.
إيران : عرض الرئيس الإيراني حسن روحانيتعاون بلاده مع واشنطن في أي تدخل عسكري ضد ما سماه الإرهابيين في العراق، كما عرضت طهران المساعدة على بغداد ونفت ما تردد عن دخول قواتها للعراق، مما أثار تحفظ فئات عراقية مختلفة رأت في موقف طهران المستجد « تعقيدا للمشكلة وتحويلا للصراع إلى صراع طائفي بين مكونات شعب العراق ».
جامعة الدول العربية: أكد مجلس جامعة الدول العربية، على مستوى المندوبين الدائمين في جلسته غير العادية بتاريخ 15/6/2014، رفضه التدخل في شؤون العراق الداخلية والالتزام باحترام سيادة العراق ووحدة أراضيه، مدينا في الوقت نفسه الأعمال الإرهابية التي يتعرض لها العراق. كما تم الاتفاق بالاجتماع على إبقاء الأزمة في العراق قيد المتابعة لمواكبة المستجدات.
وعلى هامش الدورة 41 لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، الذي عقد بجدة يومي 18 و19 يونيو الجاري، التأم يوم الأربعاء 18 يونيو 2014، اجتماع تشاوري لوزراء الخارجية العرب، برئاسة السيد صلاح الدين مزوار، وزير الشؤون الخارجية والتعاون بالمملكة المغربية، رئيس الدورة 141 لمجلس الجامعة، على المستوى الوزاري، تم خلاله استعراض آخر التطورات وتبادل وجهات النظر، إذ اتجهت مداخلات وزيري خارجية السعودية والبحرين إلى التركيز على أن الأحداث التي تعيشها العراق ما كانت لتقوم لولا السياسات الطائفية والإقصائية التي يفرضها نوري المالكي على البلاد، وأن مطالبته الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل إنما يقصد به نـــصرة طائفة على أخرى (أي دعم الطائفة الشيعية على حساب السنة، المكون الأساسي الآخر للمجتمع العراقي).
الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي: أعرب عن قلقه البالغ إزاء تدهور الأوضاع في العراق، ودعا القيادات العراقية إلى اتخاذ الخطوات اللازمة لمعالجة الوضع المتأزم بجوانبه المختلفة، بما في ذلك الجانب السياسي. وأشار إلى أن استمرار الوضع المتأزم له تداعيات خطيرة على استقرار العراق وأمنه ووحدته كما دعا الأطراف العراقية كافة إلى الشروع في حوار جدي يؤدي إلى تحقيق مصالحة وطنية حقيقية شاملة بين أبناء الشعب العراقي، بعيدا عن الطائفية والتهميش والإقصاء، وجدد استعداد المنظمة لبذل جهودها لدعم ومساندة الشعب العراقي بالتعاون مع الأطراف الدولية والإقليمية المعنية.
مجلس الأمن: أدان تصعيد العنف في مدينة الموصل بشمال العراق من جانب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام الذي وصفه بالتنظيم الإرهابي الذي يحاول زعزعة استقرار المنطقة.
السعودية: حمل الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية السابق، حكومة المالكي مسؤولية سقوط مساحات واسعة من الأراضي في شمال العراق بيد المسلحين، مشيرا إلى إن بغداد أخفقت في وقف ضم صفوف المتشددين والبعثيين من عهد صدام حسين.
وبتاريخ 16/6/2014، عبر مجلس الوزراء السعودي عن القلق البالغ لتطورات الأحداث في العراق التي ما كانت لتقوم لولا السياسات الطائفية والإقصائية، مؤكدا رفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للعراق.
فرنسا: أكد وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس، أن تقدم « الإسلاميين » في العراق يشكل خطرا على وحدة البلاد واستقرار المنطقة، داعيا المجتمع الدولي إلى النظر في الوضع.
بريطانيا: اعتبرت من غير الوارد إعادة إرسال قوات بريطانية إلى العراق… وليس في نيتها في الوقت الحالي الانخراط عسكريا في العراق، معبرة عن القلق إزاء الوضع وداعية إلى الإسراع في تشكيل حكومة جديدة لتقديم رد أمني فعال ورد سياسي ناجع.
الأمين الام للأمم المتحدة: أدان بقوة اختطاف المسلحين الدبلوماسيين الأتراك وعبر عن صدمته عندما علم بعمليات الاختطاف التي قام بها الإرهابيون.
البرلمان الأوروبي: دعا رئيس بعثة العلاقات مع العراق في البرلمان الأوروبي، أسترون ستفنسون، إلى تنحي رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وقطع التدخلات الإيرانية، وتشكيل حكومة وطنية تضمن مشاركة جميع مكونات المجتمع العراقي، مطالبا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بممارسة ضغوط على المالكي لقبول هذا الحل.
ألمانيا : دعا وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير ،القوى الإقليمية بمن فيها إيران إلى تحمل مسؤولياتها في تحقيق الاستقرار في العراق.
تركيا: أعلنت عن عزمها الرد بأقسى ما يمكن لحماية مواطنيها، داعية أجهزة استخباراتها وقوات الأمن والدبلوماسيين إلى اتخذ كافة التدابير فيما يتعلق بسلامة وأمن المواطنين والموظفين الأتراك.
الكويت: أعرب وكيل وزارة الخارجية عن ثقته في قدرة الحكومة العراقية على احتواء التطورات الأخيرة « الخطيرة » على أمن العراق وأمن المنطقة. وقال إن الأحداث في العراق قد أخذت « منحنى خطيرا جدا »، متمنيا الاستقرار للعراق والأمل في احتواء مثل هذه التوترات والأعمال الإرهابية. وأضاف أن تهديدات داعش ليست خطرا على الكويت فقط ولكن على المنطقة كلها و »علينا أن نكون حذرين وأن ننسق بيننا وأن نحصن جبهتنا الداخلية في الكويت وفي جميع دول المجلس ».
سوريا: اعتبرت أن ما « يواجهه العراق الشقيق هو ذاته ما تواجهه سورية من إرهاب مدعوم من الخارج »، مشددة على « استعداد سورية للتعاون مع العراق من أجل مواجهة الإرهاب ».
لواء سابق في جيش صدام: وصف غزوات داعش بأنّها « ثورة شعبية مسلّحة تندرج في خانة تحرير تقوم به تجمعات من أبناء العشائر ومجموعات من ضباط الجيش العراقي السابق ».
المرجع الشيعي علي السيستاني: دعا العراقيين للتطوع لمقاتلة « الإرهابيين ».
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه يوسف القرضاوي: ندد بالدعوات التي تطالب بحمل السلاح في العراق، معتبرا أن ما حدث هناك ما هو إلا « ثورة شعبية نتيجة لسياسات الظلم والإقصاء والفساد. »وندد بالفتاوى الطائفية التي تدعو إلى قتال العراقيين بعضهم لبعض، محملا حكومة المالكي، مسؤولية عما وصل إليه العراق. » ودعا العراقيين إلى « حقن الدماء وإلى الوحدة والمصالحة الشاملة » وإلى تشكيل « حكومة وحدة وطنية تنهض بالبلد، وتقوم على حل جميع مشاكله ».
رابعا: الاستنتاجات والسيناريوهات المحتملة:
- أصبح انفصال العراق العربي السنّي من الناحية الاجتماعية السياسية واقعاً قائماً.
- حتى لو تمكن الجيش العراقي من ضرب داعش، فسنكون أمامه حرب أهلية طويلة ستكرس فعليا التقسيم إلى تلاث كيانات: منطقة شيعية ومنطقة سنية ومنطقة كردية.
- تشكل هذه التطورات ضربة موجعة للنفوذ الإيراني الإقليمي وسيكون لأي تدخل عسكري إيراني نتائج كارثية، أهمها إطلاق حرب شيعية سنيّة شاملة في المنطقة.
- قد يحصد الأتراك نتائج إيجابية، أهمها صدام العرب السنّة مع الأكراد واشتعال الحرب بين الطرفين في العراق وسوريا، مما يعزز قبضة أنقرة على مجمل الملف الكردي على حساب الدولتين العراقية والسورية وصدّ التمدد الإيراني.
- تتعرض السعودية لتحدٍّ كبير مصدره مشروع دولة داعش في بادية الشام.
- تفتقر داعش للقاعدة الشعبية، فمعظم السُنة لا يرغبون في أن يحكمهم المتطرفون.
- ما حدث في الموصل وصلاح الدين وما سيحدث في قادم الأيام ببغداد سيعيد صياغة العملية السياسية في العراق من جديد، وقد تكون المساحة الكبرى فيها للساسة المعتدلين من كل الطوائف، في وقت سيكون العامل الدولي والإقليمي المحرك الأساس لها.
خامسا:عناصر الموقف المغربي:
تتابع المملكة المغربية عن كثب جميع المحطات التي قطعتها العملية السياسية في العراق مند 2003، وتأمل في أن يتمكن الشعب العراقي من إقامة مؤسسات ديمقراطية، تمثل كافة أطيافه السياسية والدينية والمذهبية وتسهم في إعادة بناء عراق موحد وديمقراطي.
ساهمت المملكة بفعالية في الجهود الدولية لمساعدة العراق للخروج من أزمته، حيث شاركت في المؤتمرات الدولية حول، وجددت دعمها للعراق الشقيق في جهوده الرامية إلى تحقيق الوفاق الوطني، مشددة على أهمية احترام وحدة و سيادة واستقلال هذا البلد العربي الشقيق.
يمكن تلخيص الموقف السياسي لبلادنا تجاه التطورات الأخيرة في العراق في النقط التالية:
- التأكيد على احترام وحدة وسيادة واستقلال العراق وصيانة هويته العربية والإسلامية ورفض التدخل في شؤونه الداخلية.
- إدانة جميع الأعمال الإرهابية التي تستهدف العراق وأمنه وسلامة أراضيه.
- ضرورة اعتماد مبادئ المواطنة، والعمل من أجل المصير المشترك، وانخراط جميع المكونات السياسية والطائفية للمجتمع العراقي، دون تمييز، كأسس لبناء الدولة العراقية عبر حوار وطني شامل وجامع.
- دعوة المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته لمساعدة الشعب العراقي على تجنب الانزلاق إلى العنف الطائفي.
- دعوة المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم المادي والإنساني لإعادة إعمار العراق.