Site icon Maroc Confidentiel

تحديات ورهانات العلاقات العربية الصينية في ظل التحولات التاريخية الحالية

بيكين 06 يونيو 2013

عبد الصمد سكال

حزب العدالة والتنمية المغرب

في البداية أود أن أعبر عن شكري للمنظمين على هذه الدعوة الكريمة لحزب العدالة والتنمية المغربي للمشاركة في هذه الندوة الهامة، كما أود التعبير عن الاعتزاز والارتياح للتطور الإيجابي المتواصل للعلاقات الصينية العربية.

ولا شك أن تناول رهانات وتحديات تطوير العلاقة بين الصين والعالم العربي في ظل المتغيرات الحالية يكتسي أهمية وراهنية بالغتين.

ذلك لأن ما يشهده عالمنا العربي من تحولات غير مسبوقة انطلقت مع ثورة الياسمين بتونس ومازالت تفاعلاتها مستمرة تشكل بداية لحقبة جديدة في تاريخ الأمة تتميز باستعادة امتلاكها لقرارها بعد عقود طويلة من التبعية والتحكم، مما سيكون له بالغ الأثر ليس فقط على دول عالمنا العربي ولكن على المستوى الدولي ككل بفعل التموقع الجيوستراتيجي لبلداننا، ولما تزخر به من موارد طبيعية تشكل مصادر أساسية للتنمية الاقتصادية على المستوى الدولي.

وهي التحولات التي عاشها بلدي المغرب بطريقته الخاصة، باعتباره يمثل إحدى التجارب القليلة في المنطقة التي انطلق فيها مسار الإصلاح في ظل الاستقرار، مع ما لهذا الوضع من قيمة كبرى وما ينتج عنه من فرص بالنسبة للمغرب سواء على مستوى جلب الاستثمارات أو على مستوى توفير مناخ إيجابي يمكن من تحقيق إصلاحات هادئة، قد تكون بطيئة ولكن مؤكدة ودائمة.

ونحن نؤمن في حزب العدالة والتنمية أنه بقدر ما يوفر الاستقرار شرطا لإصلاح مستدام، فان الإصلاح أيضا هو شرط للاستقرار المستدام.

و للاستقرار بعدان متكاملان:

بحيث أن التحدي الأساسي الذي تواجهه بلداننا يتمثل في « المزاوجة بين تحقيق الانتقال الديموقراطي وبين تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية« .

مما يتطلب تطوير نموذج تنموي ملائم يرتكز على دعم الاقتصاد الحقيقي وتجاوز اقتصاد الريع ويمكن من التوزيع العادل لثمار التنمية بين الفئات والجهات وتعزيز الشراكات مع مختلف الفرقاء الدوليين.

كما أن إنجاح التغيير الجاري يتطلب ثورة ثقافية حقيقية على مستوى بلداننا في اتجاه ترسيخ قيمة العمل، باعتبارها قيمة أساسية لتطوير بلداننا وتجاوز الوضعية الحالية، والرفع من مستوى التأهيل والتكوين.

وحيث أن التغيير لا يمكن أن يتم في سياق معزول، بل لابد أن يأخذ بعين الاعتبار المحيط الدولي ومتغيراته، واستلهام النماذج التنموية الناجحة، فالأكيد أن الاستفادة من النموذج الصيني تعتبر مسألة بديهية، فالشعوب العربية اليوم تتابع بتقدير وإعجاب الموقع الريادي الذي أصبحت الصين تضطلع به في مجال التقدم الصناعي والاقتصادي والتكنولوجي وإلى تجربة الانفتاح على العالم اقتصاديا وثقافيا، كما تتطلع إلى الاستفادة من تجربة النهضة الصينية التي اعتمدت على نموذجها الخاص، فلم تكن ملزمة بالاستنساخ أو التقليد، بل عرفت كيف تستمد من تقاليدها وقيمها وخصوصيتها نموذجها التنموي الباهر.

وهي تنظر بتقدير إلى ما أصبح للصين من موقع محترم على الساحة السياسية الدولية وما أصبحت تضطلع به كعامل من عوامل التوازن والاستقرار الدولي والدفاع عن حق الشعوب في ممارسة سيادتها ووحدتها بعيدا عن محاولات الهيمنة والاستتباع، وما تقوم به من دور في دفع عجلة النمو في العالم في زمن الأزمة الاقتصادية.

وهي تنظر بتقدير للجهود التي تبذلها الصين من أجل حماية مصالح الدول النامية وتعزيز التضامن والتعاون بينها واحترام اختياراتها في مجال النظام السياسي والطريق التنموي الخاص بها بإرادتها المستقلة.

كما أن التحولات العميقة التي يعرفها العالم العربي تتم في ظل مناخ دولي يعرف تحولات متسارعة أبرز معالمها:

  1. أزمة مالية واقتصادية بنيوية عميقة ومكلفة على مستوى المنظومة الغربية

تسائل بقوة النظام العالمي ونموذجه التنموي والاقتصادي المهيمن، كما أنها تضع على عاتقنا جميعا مسؤولية الإسهام في تطوير نموذج اقتصادي متوازن ومعتدل ومستدام.

  1. نظام عالمي متعدد الأقطاب

لم يكن النظام العالمي منذ عقود أقرب إلى هذا المستوى من تعددية الفاعلين الناتجة عن تنوعهم وقوتهم بما مكن من تفرق وتنوع وتعدد مراكز صنع القرار الدولي.

ويمكن الإشارة، على سبيل المثال، في هذا السياق إلى تطور عدد المساهمين في فضاء التشاور الدولي الذي انتقل من ثمانية دول فيما عرف بـ  »G8 » إلى عشرين دولة فيما يعرف الآن بـ  »G20 ». كما يمكن أيضا في هذا السياق الإشارة إلى تطور وتنوع ونمو عدد من فضاءات التشاور الإقليمي.

كما أن ما يسمى بمجموعة « البريكس » – الصين روسيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا-مرشحة للقيام بأدوار أساسية في العقدين القادمين.

كل ذلك يعني أننا اليوم أمام تحول تدريجي نحو وضع دولي جديد يتميز أكثر فأكثر بالاتجاه نحو التوازن.

  1. تواصل علاقات القوة والهيمنة في العلاقات الدولية وداخل المنظمات الأممية

كما أنه وبقدر تقدم مطلب الدمقرطة القطرية وتطور التعددية القطبية، فإن هذا المطلب يظل ضعيفا إن لم نقل غائبا في المؤسسات الأممية، وهو ما يجعل معركة ترسيخ الديمقراطية والحريات في المؤسسات والعلاقات الدولية مهمة استراتيجية وتاريخية، ينبغي أن تنتهي بإعمال مقتضيات الحكامة الجيدة في تدبير المشترك البشري وفقا لقواعد العدل والسلم والمساواة بين الأمم والجماعات، إذ لم يعد من المقبول أن نستغرب غياب الديمقراطية في بلد ما، ونستسيغ غيابها في مؤسسات وقرارت تؤثر وربما ترهن بلدانا بأسرها إن لم نقل البشرية جمعاء، أو أن يستدعى خطاب الديمقراطية فقط حين يخدم مصالح بعض الدول ويتم التواطؤ على تغييب الديمقراطية وحقوق الإنسان حين تستدعي مصالحها ذلك.

ومن تم الحاجة لتظافر الجهود من أجل تعميم وترسيخ قيم الحرية والعدل والديمقراطية قطريا ودوليا.

إننا في المغرب كما في باقي الدول العربية إذ نستحضر كل هذه التحولات والتحديات نؤكد على أهمية مواصلة تعزيز علاقاتنا بدولة الصين العظيمة، ومواصلة استكشاف آفاق المستقبل في إطار منظور شمولي لتعزيز التعاون الاستراتيجي والمتبادل المنفعة والمستدام بين مجمل الدول النامية والأسواق الناشئة تزامنا مع توسيع التعاون مع الدول المتقدمة.

هذا التعاون الاستراتيجي يجب أن يرتكز على تعزيز الثقة السياسية المتبادلة وتأييد المصالح الحيوية وتلبية الهموم الكبرى لكل منها وتوثيق التنسيق في الشؤون الدولية والدفع نحو تسريع إقامة النظام السياسي والاقتصادي الدولي الجديد المتعدد الأقطاب.

مع إيلاء أهمية خاصة لدعم الدول التي تعيش مراحل الانتقال الديموقراطي والاجتماعي بالنظر للتعقيدات البالغة لمثل هذه المراحل خاصة في ظل وضع اقتصادي عالمي مأزوم ومعقد.

والخلاصة أن التعاون الصيني العربي هو تعاون بين الدول النامية، وهو تعاون يفترض أنت يكون متعدد الأبعاد ومنفتحا وشاملا، يقوم على تبادل المنافع والتفاعل الثقافي والاحترام المتبادل للتقاليد والمعتقدات الدينية المختلفة.

ولنا اليقين،أخذا بعين الاعتبار ما يتميز به العالم العربي، من جهة، من وفرة الموارد الطبيعية، وسعي إلى تنويع اقتصاداته ودفع لعملية التنمية وتحسين معيشة الشعب. وما تتمتع به الصين من جهة أخرى، من مزايا في مجالات التكنولوجيا والصناعة والأسواق أن التعاون الصيني العربي سيكون ذا مستقبل واعد جدا، فما علينا إلا أن نعمل على تعزيز هذا التعاون كما وكيفا.

والسلام

المصدر : 

Quitter la version mobile