مكاتب الأمم المتحدة : تجسس ورشوة المخزن (تسريبات المغرب)

المفوضة السامية لحقوق الإنسان في ضيافة ملك المغرب بعد أن رفضت زيارة المناطق المحتلة

الهاكر الذي علمنا لاحقًا أنه في الحقيقة ضابط في المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية، قدّم وثائق مهمة تكشف استراتيجيات ومناورات الدبلوماسيين المغاربة في نيويورك وجنيف.

هذه الوثائق، التي خرج معظمها من وزارة الشؤون الخارجية المغربية وغالبًا ما كانت موسومة بعبارة «سري»، تتناول جوانب متعددة من الدبلوماسية المغربية، وترتبط بعدة قضايا من بينها أنشطة وتمويل اللوبي الموالي للمغرب، الناشط حتى في أعلى مستويات المؤسسات الأممية، وممارسات الاتجار بالنفوذ، والاستراتيجيات وخطط العمل المغربية الرامية إلى عرقلة تنفيذ قرارات الأمم المتحدة (مجلس الأمن) وقرارات وتقارير آليات مجلس حقوق الإنسان الخاصة على وجه الخصوص. وفي هذا السياق، ينجح المغرب ـ بحسب هذه الوثائق ـ في كسب «أصدقاء» من بين موظفي الحراسات المقرّبة للمفوضين الساميين، سواء مفوض حقوق الإنسان أو مفوض شؤون اللاجئين.

تبقى مسألة مصداقية هذه المصادر مطروحة. غير أنّه يبدو أن الأخطاء والتأويلات المغلوطة الواردة فيها تعود أساسًا إلى الدبلوماسيين المغاربة أنفسهم، الذين يسعون إلى التأكيد ـ من أجل مستقبلهم المهني ـ على أن أي عمل يصب في صالح القضية الصحراوية (استفتاء الشعب الصحراوي، التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان، المؤتمرات الصحفية، المقالات الصحفية) يجب نفيه وخنقه، مهما كانت الوسائل.

المفوضية السامية لحقوق الإنسان

تكشف الوثائق أن السفير المغربي كان قد اخترق محيط المفوضة السامية السابقة لحقوق الإنسان، نافي بيلاي، وكان قادرًا على التأثير في جميع تحركاتها المتعلقة بإدارة ملف انتهاكات حقوق الإنسان في الصحراء الغربية. ولم يتردد في تقديم دعم مالي لنافانيثِم بيلاي (وثيقة مؤرخة في 5 يونيو 2013) ولأعضاء مكتبها، لثنيها عن أي إجراء قد يتعارض مع رغبات المغرب. وقد بدت السيدة بيلاي شديدة الانتباه لرغبات، بل وحتى لأوامر، أصدقائها المغاربة الكرماء.

في أسفل برقية دبلوماسية موجهة إلى وزيره في يناير 2012، كتب السفير عمر هلال

«أودّ التذكير بضرورة تحويل المبلغ المتبقي وقدره 250 ألف دولار، في إطار مساهمة المغرب في ميزانية المفوضية السامية لحقوق الإنسان لسنة 2011، والتي أعربت المفوضة السامية مرتين عن رغبتها في استلامها. إن هذا التحويل سيساعد على جعل السيدة بيلاي أكثر انتباهًا لانشغالاتنا بشأن مضمون مساهمة مكتبها في التقرير المقبل للأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء».

لم تقتصر مهمة البعثة المغربية على اللجوء إلى المال المدفوع في شكل تبرعات فقط. إذ يكشف السفير المغربي أنه نجح في تجنيد «أصدقاء مقرّبين جدًا» من بين طاقم السيدة بيلاي، على غرار السويدي أندرس كومباس، مدير العمليات الميدانية، والسنغالي باكر والي نداي، مدير الإجراءات الخاصة. وبالنسبة لعمر هلال، لم يكن الرجلان مجرد صديقين، بل أظهرا حماسًا بلا حدود لخدمة الخطط والمناورات المغربية داخل المجلس، ضد أي محاولة أو إمكانية لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في الصحراء الغربية.

بل أكثر من ذلك، تكشف برقيات أخرى للسفير المغربي كيف تمكن من الحصول على معلومات بالغة الأهمية من مخبريه، كومباس ونداي، وهما شريكان لم يترددا في حضور اجتماعات مغلقة بمقر السفارة. وكان الهدف تزويده بمعلومات سرية حول لقاء بين كريستوفر روس ونافانيثِم بيلاي. فقد كان المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة يسعى إلى إقناع المفوضة السامية بزيارة الصحراء الغربية. وفي مناسبة أخرى، خُصص اجتماعهم لزيارة كان الرئيس الصحراوي محمد عبد العزيز يعتزم القيام بها في مايو 2013 إلى مجلس حقوق الإنسان للقاء بيلاي. وفي الحالتين، عمل السفير وصديقاه على تقليص أثر هاتين الزيارتين، والتأثير على بيلاي كي لا تتخذ مواقف تضر بمصالح المغرب.

كما عملوا على ثنيها عن القيام بزيارة إلى الصحراء الغربية سنة 2014، وحرصوا على أن تكون مساهمة المفوضية السامية لحقوق الإنسان في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء الغربية في صالح المغرب. وضغطوا على بيلاي لتفادي تقديم «تنازلات» للرئيس الصحراوي محمد عبد العزيز خلال لقائهما في جنيف يوم 23 مايو 2013. كما ألحّ كومباس على بيلاي من أجل إنشاء بعثة تقنية إلى الصحراء الغربية في مايو 2014، على أن يقودها هو شخصيًا بدل ممثل المفوضية السامية في نيويورك، الذي كان يُنظر إليه على أنه معادٍ للمغرب.

هذه التسريبات  الخطيرة والمحرِجة، التي تمس بسمعة المفوضة السامية السابقة والموظفين الاثنين، تثبت مرة أخرى الأساليب المافيوية التي يعتمدها ممثلو «جلالة الملك» في مختلف أنحاء العالم، وهي أساليب تقوم على رشوة موظفي المؤسسات الدولية.

وبعيدًا عن الفضائح المالية والفساد التي كشفتها هذه التسريبات (والتي لم ينفِ المغرب صحتها)، يظل الشعب الصحراوي يعاني من انتهاكات حقوقه الأساسية. فكم من الضحايا الصحراويين لا يزالون يعيشون هذه الانتهاكات بسبب غياب النزاهة داخل المؤسسة الأممية المفترض أن تسهر على احترام حقوق الإنسان في العالم؟ والأسوأ من ذلك أن المسؤولين عن هذه المناورات يفلتون من العقاب. فهل خصص لهم المخزن تقاعدًا مريحًا في إحدى واحات المغرب؟

اللوبي الموالي للمغرب لدى الصحفيين

تُظهر الوثائق التي كشفها «كريس كولمان» أن الصحفيين الأمريكيين ريتشارد مينيتير وجوزيف براود حاولا، من خلال «تحليلاتهما»، إقناع الرأي العام الأمريكي بوجود صلات بين جبهة البوليساريو و«الإرهاب الجهادي». وبحسب «كريس كولمان»، فقد جرى تجنيد المحللين من طرف أحمد الشرعي للعمل مع المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED)، جهاز الاستخبارات الخارجية للمخزن.

ريتشارد مينيتير صحفي يسيء، في كل مرة يتناول فيها قضايا شمال إفريقيا، إلى الشعب الصحراوي والجزائر، ويمدح المخزن باستمرار. وتكشف الوثائق أن ذلك تزامن ـ وبشكل يثير الشبهة ـ مع حصوله على آلاف الدولارات نقدًا (60 ألف دولار حسب إحدى الوثائق)، إضافة إلى دعوات لرحلات فاخرة إلى المغرب.

أما جوزيف براود، فقد نشر هو الآخر مقالات تشهيرية لخدمة مصالح المخزن. ووفقًا للوثائق التي كشفها «كريس كولمان»، فقد أعدّ أيضًا تقارير للأجهزة المغربية حول الصحفيين الأمريكيين المتعاطفين مع القضية الصحراوية، وسبل تحييدهم.

كما نكتشف العلاقات التي تربط المخزن بالأستاذ هنري لويس فيدي وبالصحفي الفرنسي فنسنت هيرفويه. فهنري لويس فيدي، أستاذ الاقتصاد، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظمة تحمل اسمًا ساخرًا هو «جمعية ترقية الحريات الأساسية»، أُنشئت قبيل المحاكمة الجائرة لقيادات مخيم الاحتجاج «كديم إزيك»، بهدف إعداد تقرير مثير للدهشة يخلص إلى أن تلك المحاكمة كانت «عادلة». وكانت صحيفة فرنسية قد كشفت في حينه عن تمويل هذه الجمعية من طرف المخزن.

أما فنسنت هيرفويه، فهو محرر في القناة التلفزيونية الفرنسية «LC1». ووفقًا لهذه الوثائق، كان يطلع «الصحفي» المغربي أحمد الشرعي على الجهود المبذولة داخل قناته لبث معلومات مضللة تستهدف الجزائر (…) أو نشر افتراءات حول علاقات مزعومة بين جبهة البوليساريو و«الإرهاب»، مقابل طلب «امتيازات» لقضاء عطلات في المغرب.

قواعد أخلاقيات مهنة أمانة الأمم المتحدة

معلومات A/69/292

بصفتهم موظفين دوليين، فإن أعضاء موظفي الأمم المتحدة والأمين العام لا يخضعون للمساءلة في أنشطتهم إلا للمنظمة نفسها، ويؤدون قسمًا بعدم طلب أو تلقي تعليمات من أي حكومة أو سلطة خارجية. ووفقًا لميثاق الأمم المتحدة، يلتزم كل بلد عضو باحترام الطابع الدولي الخالص لمسؤوليات الأمين العام وموظفيه، وبالامتناع عن محاولة التأثير عليهم بشكل غير مشروع في أداء مهامهم.

المغرب  #الصحراء_الغربية  #جبهة_البوليساريو  #مفوضية_حقوق_الإنسان  #المحافظة_السامية_للاجئين #عمر_هلال# 

Visited 8 times, 1 visit(s) today

Be the first to comment on "مكاتب الأمم المتحدة : تجسس ورشوة المخزن (تسريبات المغرب)"

Leave a comment

Your email address will not be published.


*